ابن كثير

336

البداية والنهاية

عنه . ثم انتضى سيما الدمشقي سيفه فضرب عنقه وحز رأسه وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمي فصلب فيها ، وفي رجليه زوج قيود وعليه سراويل وقميص ، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما ، وفي الغربي أياما ، وعنده الحرس في الليل والنهار ، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها : هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي ، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن ، ونفي التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح ، فالحمد لله الذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر ، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه . ثم أمر الواثق بتتبع رؤوس أصحابه فأخذ منهم نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة ، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد ، ولم يجر عليهم شئ من الأرزاق التي كانت تجري على المحبوسين وهذا ظلم عظيم . وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العالمين القائمين بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وسمع الحديث من حماد بن زيد ، وسفيان بن عيينة ، وهاشم بن بشير ، وكانت عنده مصنفاته كلها ، وسمع من الامام مالك بن أنس أحاديث جيدة ( 1 ) ، ولم يحدث بكثير من حديثه ، وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي ، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ويحيى بن معين ، وذكره يوما فترحم عليه وقال : قد ختم الله له بالشهادة ، وكان لا يحدث ويقول إني لست أهلا لذلك . وأحسن يحيى بن معين الثناء عليه جدا . وذكره الإمام أحمد بن حنبل يوما فقال : رحمه الله ما كان أسخاه بنفسه لله ، لقد جاد بنفسه له . وقال جعفر بن محمد الصائغ : بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناي وإلا فصمتا أحمد بن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه : لا إله إلا الله . وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ ( آلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ) [ العنكبوت : 1 - 2 ] قال : فاقشعر جلدي . ورآه بعضهم في النوم فقال له : ما فعل بك ربك ؟ فقال : ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله عز وجل فضحك إلي . ورأى بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام ومعه أبو بكر وعمر ، قد مروا على الجذع الذي عليه رأس أحمد بن نصر ، فلما جاوزوه أعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه الكريم عنه فقيل له : يا رسول الله ما لك أعرضت عن أحمد بن نصر ؟ فقال : " أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتي " . ولم يزل رأسه منصوبا من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعني سنة إحدى وثلاثين ومائتين - إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين ، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية رحمه الله . وذلك بأمر المتوكل

--> ( 1 ) زيد في المنهج الأحمد 1 / 152 : وحماد بن زيد ورباح بن زيد وهشيم بن بشير .